عبد الجبار الرفاعي
46
محاضرات في أصول الفقه شرح الحلقة الثانية
تنويع البحث دوائر الاستنباط : عادة الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا لمسألة من المسائل ، يفتش عن الدليل القطعي ، أو قل يفتش عن دليل يكشف عن الحكم الشرعي من آية أو رواية ، فإذا عثر على مثل هذا الدليل الذي يكشف عن الحكم الشرعي يعمل به . فلو أراد أن يعرف مثلا حكم أكل لحم الخنزير ، فيرجع إلى الآية الكريمة ، وهي قطعية الصدور ، كما أنها قطعية الدلالة باعتبارها نصا في حرمة أكل لحم الخنزير حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ المائدة / 3 . وأما إذا لم يجد دليلا قطعيا ، كما في حكم الصلاة يوم الجمعة ، فينتقل إلى الظن ، إلى خبر الثقة الذي يكشف عن الحكم الشرعي ، فإذا توفر لديه خبر الثقة تمسك به ؛ لأنّه يكشف عن نوع الحكم الشرعي الواجب في عصر الغيبة وهو صلاة الجمعة مثلا أو صلاة الظهر ، أو قل تمسك به لأنه يحرز الحكم الشرعي ، بالدليل الظني الحجة إذا لم يتوفر الدليل القطعي . وإذا لم يتوفر لدى الفقيه دليل يحرز الحكم الشرعي ، فما ذا يفعل ؟ في مثل هذه الحالة يكون الواقع مجهولا والحكم الشرعي غير معروف ، فينتقل الفقيه إلى نوع ثان من الأدلة لا تكشف عن الحكم الشرعي ، ولا تكشف عن الواقع ، وإنما تحدّد الموقف العملي في صورة فقدان الدليل الدال على الحكم الشرعي . فقد وضعت الشريعة قواعد تحدّد وظيفة المكلف الذي لم يتوفر لديه دليل على الحكم الشرعي ، وهذه القواعد هي ما يعبر عنها بالأدلة العملية أو الأصول العملية . فالأصول العملية هي أدلة وقواعد تحدّد الموقف العملي في حالة فقدان الدليل